عنف المستوطنين يدفع عائلات فلسطينية بالضفة الغربية إلى الرحيل القسري
عنف المستوطنين يدفع عائلات فلسطينية بالضفة الغربية إلى الرحيل القسري
في مشهد يختصر قسوة الواقع اليومي في الضفة الغربية المحتلة، شرع بدو تجمع رأس عين العوجا شمال أريحا بتفكيك حظائر أغنامهم وجمع مقتنياتهم البسيطة وتحميلها على شاحنات؛ استعداداً لرحيل اضطراري فرضته أعمال عنف متواصلة يقولون إنها تستهدفهم بشكل مباشر من قبل مستوطنين إسرائيليين، ومشهد الرحيل لم يكن خياراً طوعياً، بل نتيجة خوف متراكم وشعور دائم بانعدام الأمان في منطقة تحولت حياتها إلى ساحة ضغط يومي.
ووفق ما نقلته وكالة فرانس برس الأربعاء، فإن هذه الاعتداءات لا تقتصر على تجمع واحد، بل تطول عشرات التجمعات البدوية في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية، حيث يؤكد السكان أن غياب تطبيق القانون وفشل حمايتهم جعلاهم الفئة الأكثر عرضة للتهجير القسري، وسط تصاعد عنف المستوطنين خلال الأشهر والسنوات الأخيرة.
انهيار بطيء لتجمع بدوي
فرحان الجهالين، أحد سكان تجمع رأس عين العوجا، يصف ما يجري بأنه انهيار كامل للحياة في التجمع، ويقول إن الاعتداءات المتواصلة ليلاً ونهاراً وعلى مدار العامين الماضيين جعلت البقاء أمراً مستحيلاً، مضيفاً أن الخوف لم يعد مرتبطاً بحادثة واحدة، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
ويضم التجمع البدوي نحو 130 عائلة، لكن الضغوط المتزايدة دفعت ما يقارب نصف هذه العائلات إلى اتخاذ قرار الرحيل، وخلال الأسبوع الماضي فقط، غادرت 20 عائلة من عشيرة الكعابنة، في حين بدأت نحو 50 عائلة أخرى بتفكيك منازلها استعداداً للمغادرة، في مشهد يعكس تفكك مجتمع بأكمله تحت وطأة العنف.
واقع استيطاني ضاغط
تسيطر إسرائيل على الضفة الغربية منذ عام 1967، ومنذ ذلك الحين توسعت المستوطنات بشكل مطرد رغم اعتبارها غير شرعية بموجب القانون الدولي ويعيش اليوم أكثر من 500000 مستوطن في الضفة الغربية إلى جانب نحو 3000000 فلسطيني، من دون احتساب القدس الشرقية المحتلة.
في محيط رأس عين العوجا، تنتشر منازل المستوطنين المتنقلة حول التجمع البدوي، لكنها تتحول تدريجياً إلى مبانٍ دائمة، بعضها شيد على مسافة لا تتجاوز 100 متر من بيوت البدو، وهذا القرب الجغرافي زاد من حدة الاحتكاك، وحول حياة الرعاة إلى دائرة مغلقة من التهديد الدائم.
الأمان المفقود
في مايو من العام الماضي أقدم مستوطنون على تحويل مجرى مياه نبع العوجا، وهو مصدر حيوي للمياه في المنطقة الممتدة بين التلال الصخرية ووادي الأردن، وشكل هذا الإجراء ضربة قاسية للعائلات البدوية التي تعتمد على المياه في حياتها اليومية وفي رعاية مواشيها.
لكن الخطر الأكبر، بحسب السكان، يتمثل في غياب الأمان، فانتهاكات المستوطنين، كما يقول البدو، تشمل ممارسات متعددة منها قطع التيار الكهربائي، أو تعطيل إمدادات المياه، أو جلب قطعانهم للرعي قرب منازل البدو في محاولة لإخافتهم ودفعهم إلى الرحيل.
نايف زيد، أحد سكان التجمع، يؤكد أن الدفاع عن النفس بات مستحيلاً، ويشرح أن أي محاولة لحماية النفس أو الممتلكات قد تنقلب ضد صاحبها، إذ يكفي أن يتهم المستوطن الفلسطيني بالاعتداء حتى تتدخل قوات الجيش والشرطة، ويضيف أن الحياة أصبحت صعبة جداً، وأن الناس لا تعرف إلى أين تذهب، فكل عائلة تضطر للتصرف بمفردها وفي العراء.
الرعي تحت التهديد
يعتمد معظم الفلسطينيين البدو على الرعي بوصفه مصدراً أساسياً للعيش، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للعنف في المناطق الريفية المعزولة، ويشير نشطاء ومنظمات تعنى بملف الاستيطان إلى أن ما يجري يمثل نمطاً منظماً يوصف بالاستعمار الرعوي، حيث يستخدم المستوطنون قطعانهم للسيطرة على الأراضي ودفع السكان الأصليين إلى الرحيل.
وسجلت الأمم المتحدة خلال شهر أكتوبر وحده 260 هجوماً نفذها مستوطنون، وهو رقم غير مسبوق يعكس تصاعداً خطيراً في وتيرة العنف، ورغم ذلك، يشعر البدو أن هذه الأرقام لا تعكس دائماً حجم المعاناة اليومية التي يعيشونها بعيداً عن التغطية الإعلامية.
مواقف رسمية محدودة
في نوفمبر الماضي أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير رغبته في وضع حد لأعمال عنف المستوطنين، كما أعلن الجيش في وقت لاحق عن إدخال تقنيات مراقبة جديدة وفرض قيود على الحركة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، في خطوة قالت وسائل إعلام إسرائيلية إنها تهدف إلى كبح اعتداءات المستوطنين.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه على علم بالحوادث في منطقة رأس عين العوجا، وإن قواته تدخلت استجابة للبلاغات بهدف منع الاحتكاك والحفاظ على النظام والأمن، مشيراً إلى تعزيز وجوده في المنطقة بسبب كثرة حوادث الاحتكاك الأخيرة، غير أن هذه التصريحات لم تبدد مخاوف السكان الذين يؤكدون أن الواقع على الأرض لم يتغير.
رحيل بلا أفق
الراعي البدوي نعمان حريزات قرر نقل قطيع أغنامه إلى مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية تمهيداً للرحيل، لكنه، مثل غيره، يدرك أن الانتقال إلى منطقة أخرى لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة، في ظل تحذيرات من أن أي انتقال جديد قد يعرّض العائلات لتهجير آخر في المستقبل.
ويستشهدون بحالات لعائلات أجبرت على مغادرة قرية الجفتلك القريبة، ثم تعرضت للتهجير مرة أخرى بعد انتقالها إلى منطقة أخرى في وادي الأردن، في حلقة مفرغة من النزوح الداخلي.
تدمير نمط الحياة
في الأشهر الأخيرة ظهرت لوحات إعلانية على طرق رئيسية في الضفة الغربية تحمل عبارة “لا مستقبل في فلسطين”. وبالنسبة لفرحان الجهالين الذي تعيش عائلته في رأس عين العوجا منذ عام 1991، فإن هذه العبارة تختصر الواقع بدقة مؤلمة.
ويؤكد أن المستوطنين لم يكتفوا بالضغط الجسدي، بل دمّروا نمط الحياة البدوي بالكامل، وطمسوا الثقافة والهوية، واستخدموا كل الأساليب لتغيير هذا النمط القائم على الرعي والعيش البسيط، وصولاً إلى تدمير الحياة بشكل شبه كامل.
تشكل التجمعات البدوية في الضفة الغربية إحدى أكثر الفئات هشاشة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تعيش غالباً في مناطق مصنفة ج دون بنية تحتية كافية أو حماية قانونية فعالة. ومع تصاعد الاستيطان، باتت هذه التجمعات هدفاً مباشراً لسياسات تضييق ممنهجة تشمل العنف المباشر، والاستيلاء على الموارد الطبيعية، وفرض واقع أمني خانق. ويعد مراقبون أن ما يحدث في رأس عين العوجا ليس حالة استثنائية، بل نموذج متكرر لتهجير صامت يعيد رسم الخريطة السكانية للضفة الغربية، ويهدد باندثار نمط حياة بدوي عريق ظل قائماً لعقود طويلة.










